الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

179

تفسير روح البيان

الكتاب والفاء لسببية اللعن لعدم الايمان وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ كائن مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وهو القرآن ووصفه بقوله من عند اللّه للتشريف مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ اى موافق للتوراة في التوحيد وبعض الشرائع * قال ابن التمجيد المصدق به ما يختص ببعثة محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم وما يدل عليها من العلامات والصفات لا الشرائع والاحكام لان القرآن نسخ أكثرها وَكانُوا مِنْ قَبْلُ اى قبل مجئ محمد صلى اللّه عليه وسلم يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا اى يستنصرون به على مشركي العرب وكفار مكة ويقولون اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة ويقولون لأعدائهم قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وارم فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا من الكتاب لان معرفة من انزل هو عليه معرفة له والفاء للدلالة على تعقيب مجيئه للاستفتاح به من غير أن يتخلل بينهما مدة منسية كَفَرُوا بِهِ حسدا وحرصا على الرياسة وغيروا صفته وهو جواب لما الأولى والثانية تكرير للأولى فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ اى عليهم وضعا للظاهر موضع الضمير للدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم والفاء للدلالة على ترتيب اللعنة على الكفر واللعنة في حق الكفار الطرد والابعاد من الرحمة والكرامة والجنة على الإطلاق وفي حق المذنبين من المؤمنين الابعاد عن الكرامة التي وعد بها من لا يكون في ذلك الذنب ومنه قوله عليه السلام ( من احتكر فهو ملعون ) اى من ادخر ما يشتريه وقت الغلاء ليبيعه وقت زيادة الغلاء فهو مطرود من درجة الأبرار لا من رحمة الغفار * واعلم أن الصفات المقتضية للعن ثلاث الكفر والبدعة والفسق وله في كل واحدة ثلاث مراتب * الأولى اللعن بالوصف الأعم كقولك لعنة اللّه على الكافرين أو المبتدعة أو الفسقة * والثانية اللعن بأوصاف أخص منه كقولك لعنة اللّه على اليهود والنصارى أو على القدرية والخوارج والروافض أو على الزناة والظلمة وأكل الربا وكل ذلك جائز * والثالثة اللعن على الشخص فإن كان ممن ثبت كفرهم شرعا يجوز لعنه ان لم يكن فيه أذى على مسلم كقولك لعنة اللّه على فرعون وأبى جهل لأنه ثبت ان هؤلاء ماتوا على الكفر وعرف ذلك شرعا وان كان ممن لم يثبت شرعا كلعنة زيد أو عمرو أو غيرهما بعينه فهذا فيه خطر لان حال خاتمته غير معلوم وربما يسلم الكافر أو يتوب فيموت مقربا عند اللّه فكيف يحكم بكونه ملعونا ألا يرى أن وحشيا قتل عم النبي عليه السلام اعني حمزة رضى اللّه عنه ثم اسلم على يد النبي عليه السلام وبشره اللّه بالجنة وهذه حجة من لم يلعن يزيد لأنه يحتمل ان يتوب ويرجع عنه فمع هذا الاحتمال لا يلعن * قال بعضهم لعن يزيد على اشتهار كفره وتواتر فظاعة شره لما انه كفر حين امر بقتل الحسين رضى اللّه عنه ولما قال في الخمر فان حرمت يوما على دين احمد * فخذها على دين المسيح ابن مريم واتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين رضى اللّه عنه أو أمر به أو اجازه أو رضى به كما قال سعد الملة والدين التفتازانيّ الحق ان رضى يزيد بقتل الحسين واستبشاره واهانته أهل بيت النبي عليه السلام مما تواتر معناه وان كان تفاصيله آحادا فنحن لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه لعنة اللّه عليه وعلى أنصاره وأعوانه انتهى * وكان الصاحب بن عباد يقول إذا شرب ماء بثلج